فخر الدين الرازي
180
الأربعين في أصول الدين
أقصى ما في الباب : أن يقال : لا ندري لم حدث الميل إلى هذا الرغيف ، ولم يحدث إلى ذلك الرغيف الآخر ؟ لأنا نقول : سبب حدوث الميل في قلوبنا ليس لميل آخر في القلب ، والالزام التسلسل ، بل الميول والإرادات تنتهى إلى ميل وإرادة تحدث في القلب ، اما بخلق اللّه تعالى ، أو بسبب من الأسباب السماوية . وحينئذ يكون هذا الاشكال زائلا . والّذي يحقق هذا الكلام : أن العطشان إذا خير بين القدحين ، فإنه ما لم يخص أحد القدحين بمد اليد لأخذه ، فإنه لا يمكنه أن يشرب ذلك الماء . وما لم يمل قلبه إلى أخذ ذلك القدح فإنه لا يمد « 1 » يده إليه . فذلك الميل الخاص ، والإرادة الخاصة ، مرجحة لأحد الطرفين على الآخر . فثبت : أن في هذه الصورة لم يحصل الرجحان الا لمرجح ، وأما أنه لم حدث الميل إلى هذا ولم يحدث إلى ذلك ؟ فذلك مستند إلى الأسباب الفلكية . أجاب المتكلمون عن السؤال الأول : بأنا لا نقول : ان رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر ، لا يحوج إلى المرجح في جميع المواضع ، بل نقول : الشيء إذا وجد بعد عدمه فهذا الحدوث وهذا الامكان هو المحوج إلى المقتضى . فأما ترجيح الفعل على الترك في حق القادر ، فذلك لا يحوج إلى المؤثر « 2 » . والّذي يدل عليه : أن الفرق بين القدر المختار ، وبين العلة الموجبة ، أمر معلوم بالضرورة . فان كل أحد يفرق بالضرورة بين كون الانسان مختار في فعله وقوله وقيامه وقعوده ، وبين كون
--> ( 1 ) لا تمتد : ا ( 2 ) إلى المرجح : ب